السيد جعفر مرتضى العاملي
154
تفسير سورة هل أتى
6 - إن النعيم هنا ، وإن كان يتجلى بلباس السندس ، الذي هو أمر حسي ، ولكن ذلك ليس هو المقصود الأساس هنا ، بل النعيم المعنوي بهذا اللباس الذي هو زينة ، هو الأهم . . لأن إظهار كرامتهم يمثل لذة روحية معنوية إدراكية لهم ، وليس مجرد لذة جسدية . . كما أن نفس الإحساس بإدراك الآخرين لكرامة الله سبحانه للأبرار ، هو من أسباب نعيمهم وأنسهم ، ومن موجبات اعتزازهم . . هذا عدا عن أن شعورهم ببهجة الآخرين وسرورهم بما يرونه من سندس خضر وإستبرق وغير ذلك ، يعطيهم المزيد من الرضا والراحة والسرور . . فظهر أن قوله : « عَالِيَهُمْ » لا يراد به مجرد إظهار الزينة للآخرين ، بل المراد به أن يكون سبباً في سرورهم ، وكبت أعدائهم أيضاً كما تقدم . . « ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ » : وغير خفي أن الله سبحانه يريد أن يفهمنا معنى الكرامة للأبرار بالأسلوب ، وبالمفردات التي نعرفها ونألفها ، ونتفاعل معها . . ومع أنه تعالى قد عبر بكلمة « ثِيَابُ » وبكلمة « سُنْدُسٍ » ، ولكنه حذف هذه الكلمة مع كلمة « الإِسْتَبْرقٌ » ، وجاء بها مرفوعة لتكون عطفاً على كلمة « ثيَابُ » السابقة ، مما يعني أنه تعالى يريد أن يقول : إن الإستبرق هو العالي على الأبرار ، فهو زينتهم الظاهرة . . ولم يحصر زينتهم به بخصوص جعله لباساً لهم ، فلعلهم يتزينون به بحيث يكون فوق فرشهم ، وستائرهم ، وفي كل المواضع الظاهرة للآخرين ، والتي هي من مفردات نعيم الأبرار ، بما تعطيه من بهجة للناظر ، وأنس للمستفيد الحاضر . .